Tuesday, March 27

الملائكة تسكن بيننا



دقت الساعة تعلن الثالثة بعد منتصف الليل فى احدى منازل القاهرة الهادئة , تسارعت خطوات الطفلة الصغيرة الى المطبخ لتتحدث الى امها و بادرتها قائلة (ماما هى حتيجى انهاردة صح) فانزعجت الام لرؤية ابنتها مستيقظة حتى هذة الساعة المتأخرة و نهرتها قائلة (انتى لسة صاحية !! لا مش حتيجى خشى نامى علشان تروحى المدرسة الصبح) ذهبت الطفلة التى لم تتجاوز الخامسة من عمرها الى غرفتها و هى غير مقتنعة بكلام أمها و جلست بجانب نافذة غرفتها تنتظرها أن تأتى مع كل من ينتظر قدومها

*دار هذا الحوار فى احدى منازل شارع الدويدار فى القاهرة فى العام 1964*

أنهم ينتظروها ان تاتى الى الشارع فهى عادة تاتى كل ليلة فى نفس الوقت فالجميع ينتظر خلف نوافذهم , الكبار و صغارهم ينتظرونها فى محاولة لمعرفة اى شئ عن تلك المراة المجهولة , طفلتنا الصغيرة تنتظر معهم فكل يوم تسمع عنها الحكايات و الحكايات لكن لم تكن تسمح لها أمها برؤيتها فقررت ان تنتظرها هذا اليوم و طلبت من جسدها الهزيل ان يقاوم ذلك الاحساس الرهيب بالنوم و أخذت تذكر نفسها بكل ما سمعته عن تلك المراة من أقران عمرها و هم يلعبون و كيف كانت تلك المراة مادة متداولة لأخافة الاطفال فى عمرها , كانت تذهب الطفلة الصغيرة فى رحلات سريعة ذهابا و اياب بين نافذتها و باب غرفتها لتتأكد ان أمها مشغولة فى تحضير العشاء لوالدها و لم تكد تتأكد من أنشغالهم معا حتى استقرت عند النافذة ساكنة فى أنتظارها فهى حتما ستاتى هذة اليلة

لم تكد تمر ثوانى معدودة حتى أصبح صوت أقدامها هوالسائد و كأنهم لا يسمعون صوت انفاسهم المترقبة خلف النوافذ المغلقة , ساعد الضوء الخافت الناجم عن عمود يتيم فى منتصف الشارع على أضفاء نوع من الاضاة مرعب اكثر منه مطمئن للمتفرجين بمختلف أعمارهم , اخذ شكل المراة بالظهور تدريجيا حتى وقفت تحت عمود الانارة فيتمكن الجميع من رؤيتها تقريبا , منظرها كان يوحى بانها ليست متسولة او امراة عجوز بالطبع فكانت تلبس الملاية اللف فوق ملابسها السوداء و كانت ملامح وجهها تعكس عمرها الذى لم يتعدا العقد الرابع و كانت ملامحها قوية فكانت لها ملامح أمراة لا تخاف أحدا لتخرج فى الثالثة صباحا كل يوم لتفعل الشئ نفسة , حبس الجميع أنفاسهم انتظار للعرض المثير المنتظر منها فبدت و كأنها تستدعى أطراف صوتها و نظرت الى الشارع الساكن الا من بعض نسمات الفجر القريب لتصرخ بصوت قوى بكلمة


مــــــــــــــــلا ك مــــــــــــــــلا ك مــــــــــــــــلا ك



كان صوتها يغمر الشارع تماما من اوله لاخرة و كانه اندفاع ماء ياتى من منحدر عالى ليجرف كل شئ معه و يدخل كل شق يستطيع ان يصل الية فكانت قوة الصوت تعكس قوة رهيبة ليس من السهل اكتسابها وفى وسط ذهول من عاش تلك اللحظات تسمع أصوات من استدعتهم تقترب من كل جانب و من كل شق او حارة على جانبى الشارع الكبير لتجد المئات و المئات من القطط التى كانت تنتظر قدومها لتلتف حولها فتبدا تلك المراة فى أطعامهم ببعض الفتات التى تحمله فى شئ اشبة بحقيبة كبيرة خلف ظهرها و لم اكن ابالغ فى عدد القطط التى ذكرته انهم بالمئات لان كثرتهم كانت السبب فى انتظار الاخرين لهذا العرض الذى كان يتكرر كل ليلة و بعد ان تتأكد انها اطعمت منتظريها كانت ترحل فى صمت دون ان يعترضها احد لكن من هى او الى اين ترحل لا يعلم أحد

و تمر سنوات العمر بسرعة كمن يمشى على النار و تصبح الطفلة الصغيرة أم و تحكى لأبنائها قصة المراة التى كانت تنادى على الملائكة لتطعمهم و تعلم أبنائها حب تلك الكائنات التى تشاركنا الحياة فى هذة الارض


Post a Comment