Tuesday, April 16

حلم أسطبل عنتر


كانت زيارتي الأولي  لمنطقة إسطبل عنتر بناء على طلب صديقتي غادة جبر لتصوير بعض المنتجات التي تنتجها الجمعية الأهلية

 التي تتولي إدارتها  ,عندما وافقت على العمل التطوعي بتصوير منتجات الجمعية  حاولت أن اعرف العنوان فطلبت من غادة ان انتظرها في أحد الشوارع القريبة من محطة مترو السيدة زينب لأني لن أستطيع " الصعود " وحدي في المرة الأولى ! حضرت في ميعادها و أخترقنا بعض الشوارع  سويا في منطقة عشوائية تتشابه كثيراً مع مناطق تحيط بالقاهرة من كل جانب فلم نعد نستغرب مظهرها و كيف يقضي الناس حياتهم فيها , وصلنا الي بداية طريق ضيق يصعد بنا الي جبل من العشش الصفيح , أنظر الي غادة متسائلا الي أين ! الطريق  ليس ممهدا لصعود اي شيء يسير على عجل , عبارة عن درجات سُلم عريضة تلتوي بين مئات من العشش يفترش سكانها الأرض امامها في بؤس و قلة حيلة واضحة , بعض درجات السُلم  كانت تمر فوق سقف حجرة  صغيرة قاتمة لتونا مررنا من أمامها ! كان واضح ان كل مجموعة العشش او الحجرات يستخدم حمام بدائي يطل ايضا على نفس الطريق , بينما نعبر رأيت أمامي مجموعة من الرجال تستند على الحائط يسدون الطريق و ما أن رأونا افسحوا لنا المجال  بإحترام كبير و ألقى أحدهم التحية على ألأستاذة غادة كما سماها لترد عليه التحية و أعقبتها بعتاب أنه أبنه توقف عن الذهاب عن المدرسة  , تحرج الرجل القليلا إلا ان غادة أصرت على ان يحضر الطفل الصغير الي المدرسة فوعدها ان يحضر غداً  , سألت غادة هل هي جمعية أم مدرسة ؟ ضحكت و أشارت الي مبني من ثلاث أدوار ظهر امامنا في أخر الطريق كان بعض العمال يطلونه بألوان فاتحة و يحيط به مباني اخري أقامها السكان حين أستوت الأرض فوق ذلك الجزء الفقير من هضبة المقطم .



مدرسة الفصل الواحد هي إحدى مشروعات جمعية "صحبة خير" التي جأت لتحل مشكلة عدم وجود مدرسة حكومية في المنطقة الجبلية لتستوعب الأطفال المتسربين من التعليم ,الجمعية كان هدفها واضح من البداية و هو "التنمية المستدامة"  للمناطق التي يعملون بها و ليس مساعدة المحتاجين بإعطائهم مال مما قد يسبب اني تبقى تلك الأماكن كما هي تعتمد على المساعدات, كان الحل ان يساعد الناس أنفسهم  , عمل أكثر من خمسة عشر عاما في المناطق المحيطة و  تكوين علاقات نافعة للمجتمع المحلي هناك ساعدهم على الإنخراط في مشاكل المجتمع ومحاولتهم إيجاد حلول دائمة.



نصل الي المدرسة حيث المبنى بجانب سور قديم يبدو أثريا و امامه مساحة واسعة كبيرة مخططة كملعب يحيطها سور من الأسلاك  يلعب بها أطفال كرة القدم و يشاهدهم بعض الجالسين امام بيوتهم , مررنا بجانبهم يبدو أنهم لا ينتمون للمدرسة , أشارت غادة الي كل المساحة امام السور الأثري " كل تلك المساحة امام السور كانت مغطاة بأكوام القمامة و تمت إزالتها ليتم تحديد هذا الملعب " ثم أعقبت كيف ان البيروقراطية من محافظة القاهرة كلفتهم الكثير فقط ليقوموا بإحاطة هذا السور من السلك حول الملعب الذي تكلف بنائة فقط 30 الف جنية مصري !! جاء بعض الأطفال و أحاطوا بها في ود و ترحاب كانوا  يلبسون ملابس المدارس الحكومية قميص لبني و بنطلون كحلي للأولاد و مريلة كحلي و قميص لبني للبنات , دخلنا معظم البنات يلبسون الحجاب برغم من صغر سنهم , حديث قصير مع الأولاد و سألني أحدهم إذا كنت الأستاذ الجديد فجاوبت انني مجرد زائر, الي الداخل تبدو كمدرسة حكومية صغيرة في أحدى المناطق القاهرة في وسط القاهرة  , المكان نظيف , هادىء , رسومات الأطفال  معلقة هنا و هناك بمعنى اخر بالنسبة لهولاء الأطفال كان المكان مساحة للتعلم و اللعب و الإبداع , بالنسبة  لهم كان المكان  آدامي, يبدو انه كان وقت التغيير بين الحصص انفتحت ابوب المساحة التي كنا نقف بها فخرج اولاد و بنات من ثلاث فصول وقفت أشاهد بهدوء و دخلت إحدي الفصول جلس بعض الأطفال يكملون ما كتبه أستاذهم على السبورة , بنات و أولاد معا في نفس الفصل , إستأذنت الأستاذ أن التقط بعض الصو,  ما أن خرجت حتى أحاط بي الأطفال يطلبون أن التقط لهم بعض الصور, كانوا يشاهدون الصور على شاشة الكاميرا و يضحكون كثيرا , أحدهم أخذ ينظر الي صورته كثيرا يتأملها فمازحته " ايه ماعندكوش في البيت مرايا" فرد ضاحكا " لا طبعا و لا اي حد من العيال دي عنده مرايا !" تمتم بعض الأطفال و قالت أحدهم في الخلف "أمي عندها مرايا صغيرة"  شعرت بمرارة شديدة ! ما نظنه نحن أساسيات  لحياة آداميه يعتبروه هولاء الأطفال أحلام .
أخذتني غادة في جولة سريعة بين الفصول و المطبخ الذي يتم عمل وجبات الأطفال فيه يوميا , قاعة الحاسب الألي حيث يتعلم الأطفال مهارات و يشاهدون أفلام الكارتون في بعض الأوقات , المدرسة توفر لهم حصص لغة عربية , رياضيات , لغة إنجليزية , حاسب ألي , دين , رياضة , صناعة سجاد , كانت غرفة  صناعة السجاد بها الكثير من الأطفال بين الحصتين , فصعدنا الي أعلى المبنى لنشاهد المنطقة من أعلى حتى يخرج الأطفال الذين انتهت حصتهم  من الغرفة و أشاهد كيف يتم العمل هناك , المشهد من فوق المبنى يلخص الحياة السكنية في القاهرة المنطقة التي نحن بها الأن – أسطبل عنتر - لا يفصلها عن أحد أرقى مناطق القاهرة غير بعض مئات من الأمتار , تلك المنطقة الراقية التي تجد بها خدمات بسيطة مثل الماء و الكهرباء لا يحصل عليها أبناء أسطبل عنتر الا بصعوبت شديدة فمثلا لا يوجد ماء في تلك المنطقة و يعيش أهل المنطقة على ملئ جراكن الماء من اسفل الجبل و الصعود بها نفس الطريق الذي صعدناه او من يملك منهم بعض المال يشتري الماء من بعض السكان الذين امتهنوا الصعود بالماء من أسفل كل يوم الي أعلى الجبل ! أنتهينا من الحديث و هممنا بالنزول الي الطابق الذي يحوي غرفة صناعة السجاد.



دخلنا الي المشغل كما يسموه الأطفال لنري ثلاثة انوال خشبية كبيرة لصناعة السجاد الحرير اليدوي , أطفال كثيرون يجلسون هي صناعة نادرة في مصر  أمام الأنوال يعملون على غزل سجاد من خيوط الحرير و استاذهم هنا كان أسطى سجاد يجلس على النول في المنتصف و يجلس حوله أطفال أخرون ليتعلموا كيفية الغزل , عندما بدأت جمعية صُحبة خير مشروعها " حلم أسطبل عنتر" كانوا يحلمون أن يدخلوا صناعة الي تلك المنطقة يستطعيون أبنائها الحصول الرزق الذي يوفر لهم لقمة عيش كريمة , فجأت فكرة صناعة السجاد الحرير اليدوي  , لكن الفكرة بدت مستحيلة فالعاملون بتلك الصناعة ليسوا كثيريين و كم من الوقت ستحتاج  لتعليم أبناء المنطقة صناعة كتلك و التي تحتاج الي الكثير من الصبر , ذهب أعضاء الجمعية الي أحد أقدم مصانع السجاد في مصر و هو مصنع القطان الذي عرض توريد أحد أهر عماله لتعليم الأطفال فن صناعة السجاد على أن يلتحقوا بالمصنع لاحقا في عمر يسمح لهم بالعمل و بالفعل التحق عدد لا بأس به من من من تخرجوا من مدرسة الفصل الواحد للعمل بالمصنع و أصبحوا يحصلون على راتب شهري كبير, و يتوقع أعضاء الجمعية أن تكون صناعة السجاد اليدوي الحريري التي تدر الكثير من المال على أصحابها ان تكون الصناعة المحلية لمنطقة أسطبل عنتر.


ذهبت إلي أسطبل عنتر و لم أعد نفس الشخص مرة اخرى , هناك شيء لا يمكن لأحد إصطناعة و هو الإحترام المتبادل بين أهل المنطقة و العاملين على مشروع حلم أسطبل عنتر , إحترام يظهر في تصرفات الأطفال تجاه بعضهم و تجاه معلميهم إحترام يفرض نفسه على المشهد بالرغم من واقعهم اليومي خارج مدرستهم الصغيرة ,  شعرت بالفخر لأنني ساعدت للحظات و لو قليلة من عمر ذلك الحلم , ان ما فعلته جمعية صُحبة خير هو تحدي حقيقي لواقع يظلم ملايين المصريين و كأنهم زرعوا شجرة  أمل في وسط عشوائية القاهرة على أمل أن يتبعهم أحد و يقوم بعمل حقيقي لمؤسسات المجتمع المدني.

Post a Comment