Saturday, December 28

الكيلوت شيء خاص - تلك الخديعة الفكرية الكبرى

 
 
 
 

 في احد المصالح الحكومية تجلس طبيبة خلف مكتب عتيق في غرفة طويلة مليئة بزميلاتها صاحبات المعاطف البيضاء , ترفع الطبيبة "لباس" ابيض رجالى و تجذبه من جميع الأطراف في محاولة لاختبار قوة الأستك و...سط لا مبالة الحاضرين ثم تنادي بأعلى صوتها على صديقتها الصدوقة في اخر الغرفة "يا انشرااااااح ! هو دا على مقاس جوزي"

****
انهت بعثة الوزارة لتوها العُمرة و باق لهم يومين للتسوق في حواري مكة و شعابها , يقترح احد الحاضرين على موظفي الوزارة المرموقين و زوجاتهم الفاضلات ان يذهبوا جميعا لشراء ملابس قطنية من احد الأماكن المشهورة , تتحول بعثة الوزارة للعُمرة الى بعثة شراء الملابس الداخلية , الجميع يشترى قمصان النوم معاً , زوجة السكرتير العام اعجبها قميص نوم زوجة وكيل الوزارة , لم تجد نفس اللون لكن على الأقل خطفت باقي الوان نفس الموديل

****
تقف السيدة لتعبث بمحتوى صندوق البائع المتجول الذي يعج بمختلف انواع الكيلوتات في الشارع المزدحم بمئات البائعين و الاف السيدات , كل حين و مين يمسك البائع بأحد الكيلوتات ثم يرفعه امام المارة في محاوله لاختبار قوة الاستك المتين يجذبه من جميع الأطراف و هو ينادي " اندر وير بارييييييييييييييس" , يتذمر البائع من تقليب السيدة الفاضلة في بضاعته فيقترح عليها بعضاً من اختياراته كلما اراد ان يريح صوته من المناداة , في احيان اخرى يرجع البائع الي الخلف ليرى ما المقاس المناسب للسيدة ليقترح عليها المقاس المناسب

****
اثنين لا يعرفون بعضهما جمعتهم ظروف العمل ليومين في احد العواصم الأوربية , يذهبان الي مول شهير , احدهما يشترى ملابس داخلية للمدام , يسأل الأخر"تفتكر اجيب الوان ايه ؟" ثم يعرض عليه ما يشتريه ليختار معه!

****
بعض كباري المشاة الرئيسية في القاهرة أصبحت مزينه من اولها لأخرها كل انواع الكيلوتات الحريمي المعروفة و الغير مكتشفه بعد مثل كوبري المشاة الواصل بين محطة المترو و مستشفى الدمرداش فوق شارع لطفى السيد و يعد ذلك الكوبري المنافس الأول لشارع بطرس غالي في روكسي في عرض الملابس الداخلية في الشارع

****
الكثير من السيدات في الأحياء الشعبية يقمن بنشر "البياضات : ملابس الرجل الداخلية" على حبل الغسيل الأول امام الجميع و تقول الأسطورة ان هناك سببين لتلك الظاهرة , الأول " حالة من التحقق لدى المرأة : ان في راجل في البيت" , السبب الثاني " اظهار الشطارة في غسل الألبسة "

****
حاولت ان اربط تلك الظاهرة بأمراض المجتمع الاخرى مثل الانفصام او التدخل في حياة الاخرين او الحكم المسبق على أي شخص مختلف و وجدت ان كل تلك الأمراض مرتبطة معا في لوحة كانفا رخيصة , ما نتحدث عنه هنا ليس فقط خلط بين العام و الخاص و عدم التفريق بينهم لكنه يعكس ايضا الي أي مرحلة يُعد شعبنا " مُنتهك " فكرياً مع اختلاف طبقاته الاجتماعية و بالتالي نمارس انتهاك بعضنا البعض بأشكال مختلفة , في كل المواقف التي تحدثنا عنها هنا ستجد معظم هؤلاء الأشخاص ممكن يعتبروا كلمة "احا" عيب جدا ,و هم هم نفس الأشخاص اللي عندهم مشاكل كبيرة لو البنت اتكلمت بصوت عالي في الشارع ! او شافوا مثلا واحدة ست بتدخن فيقولوا عليها "قليلة الأدب" بدون سابق انذار فقط لأنه غير مقبول في المجتمع ان تدخن المرأة لكن مقبول جدا ان يعرف الشارع كله مقاس ملابسك الداخلية , غير مقبول ان يبوس الناس بعضهم في الشارع لأنه عيب لكن ان يتبول الناس في الشارع عادي !


انا لست عالم اجتماع و حاولت ان ابحث عن سر تلك الظواهر و ارتباطها معاً في كُتب علم الاجتماع الفقيرة الموجودة تحت ايدي و كُتب اخرى تتحدث عن حكمة المصريين و تطورهم الاجتماعي و لم اجد شيء , لماذا لا يتحدث احدهم عن العلانية في التعامل مع الكيلوتات كمعيار لتطورنا الاجتماعي ربما نحتاج لمعايير جديدة للقياس لنفهم تطورنا او تأخرنا.
Post a Comment