Saturday, December 27

غروب في الثقب الأسود






اسمي شوكان. أنا مصور صحفي حر. اختطفت و احتجزت ستة عشر شهر حتى الآن. 500 يوم في السجن دون أن أرتكب أي جريمة. لا تستطيع عائلتي التفاوض على إطلاق سراحي .. أنا رجل بريء
لقد تم استجوابي مرة واحدة فقط منذ اعتقالي. وتم تجديد حبسي كل 45 يوم و لم يتم توجيه أي تهمة لي.

لقد تم إلقاء القبض علي يوم 14 أغسطس 2013 أثناء تصوير مظاهرات رابعة بميدان رابعة، القاهرة، مصر. لقد كنت أؤدي عملي أثناء و قبل القبض علي و قد أعلمت البوليس أنني صحفي. تم أخذ كاميرتي و ربط يدي و ضربي.

لقد تم حبسي دون أي تحريات للتهم المفبركة التي يتهمونني بها. كل يوم أتسائل لماذا مازلت هنا؟ لقد شهدت إطلاق سراح أكثر من نصف المسجونين معي و من بينهم مراسل الجزيرة عبدالله الشامي. و لكن مازلت داخل الثقب الأسود. الإعدام هو عقوبة التهم المفبركة التي أواجهها.

لقد تم إعطاء السلطات الأوراق اللازمة لإثبات أنني مصور صحفي، و لديهم أيضاً شهادات من زملاء كانوا معي ذلك اليوم تؤكد أنني لم أكن أحمل سوى كاميرتي. و قد تم تجاهل كل هذا.

تم القبض علي مع صديقي المصور الفرنسي لويس جامي. و قد أفرج عنه في اليوم نفسه. أنا الآن حالة لمنظمة العفو الدولية كمسجون رأي لأن كل ما كنت أقوم به ذلك اليوم هو العمل: التقاط الصور، و مع ذلك هذا لم يغير شيئاً.

لقد أعلن العالم الحرب على الإرهاب و لكن لا يوجد سوى القليل من إدانات انتهاكات حقوق الإنسان، الاعتقالات التعسفية، الموت العنيف و المحاكمات و الأحكام الجماعية و كل هذه الأمور أقرتها السلطات المصرية.

الصحفيون يقتلون، ويخطفون، ويعتقلون،ويضربون،ويقبض عليهم، ويهددون، ويعذبون، وتسرق كاميرات الصحفيين و تلفق التهم. حرية التعبير أصبحت سياسية.

أريد أن أعرض عليكم القليل من حياة المعاناة التي أحياها في السجن. إنها حياة بعيدة كل البعد عن الحياة الحقيقية و عن الحياة التي كنت أحياها. إنها كابوس لا ينتهي في هذا الثقب الأسود الذي أنا عالق به. لقد أصبح الغروب شريط رفيع خلال شبكة الحديد.أولاً سأحكي لكم كيف كذب وكيل النيابة على أبي الكبير سناً بوعود مثل "لا تقلق. سيطلق سراح ابنك." و الآن مضى عام و أكثر ويجر أبي كل يوم إلى مكاتب النيابة دون جدوى.

ثم هناك معاناة أسرتي في زيارتي الأسبوعية. أقابلهم لدقائق معدودة دون أى خصوصية تحت أعين ضباط البوليس المتلصصة. تجبر أسرتي على الانتظار لمدة 7 أو 8 ساعات حتى يسمح لهم أخيراً بدخول السجن. ينتظروا بصبر ليقابلوني و يتعرضوا لمعاملة مهينة و شتائم خلال الانتظار. قلوبهم تتألم. يريدوا أن يأخذوني معهم للمنزل. يعلمون براءتي و لكن لا أحد يسمع.

أريد أن أقول لكم عن معاناة السجن اليومية التي أجد نفسي مجبرا لمواجهتها. كيف يتحكم فيك و يسيطر عليك ظالمون. كيف يتم سجنك بعادات الآخرين وتحبس مع العديد من الآخرين. كيف تجبر على الوضع المستحيل، محاولا أن تعيش حياة غير طبيعية كل شيء هنا سجن. لا أستطيع أن أرى السماء بوضوح دون شبكة الحديد والقضبان. لا يسعني رؤية السماء إلا من ثقب صغير في السقف. الحديد يسيطر على المكان هنا. أبواب حديدية ثقيلة وغرفة مظلمة مثل القبر.

أريد أن احكي لكم عن الزنزانة التي أشاركها مع 12 سجين سياسي ، الكثير منهم مثلي مهنيون. نعيش في زنزانة صغيرة 3 * 4 أمتار و هى لا تصلح لتكون قفص للحيوانات. أنام على الأرض. كل يوم نفس الشيء
أقضي 22 ساعة يومياً مسجون في هذه الزنزانة الصغيرة المظلمة مع 12 آخرين،لمدة ساعتين يتم نقلي إلى قفص صغير تحت شمس بالكاد أشعر بها. هذه هي كل حياتي .

سأشارككم القصة المهينة للحمام،إنه جزء صغير من نفس هذه الغرفة. كل واحد يستطيع أن يسمع ما يحدث بالداخل بوضوح جداً. نطبخ، نأكل، نصلي، نستخدم الحمام في نفس هذه الحجرة. لقد سرقوا مننا ليس فقط حريتنا و لكن أيضاً كرامتنا حتى في أبسط الأمور.

و نتعرض للتفتيش الدوري للزنزانة حيث يقوم المفتشون ببعثرة و إلقاء محتويات الزنزانة في كل مكان، يتم سرقة متعلقاتنا و نهان ممن لا يعرف كيف يكتب حتى اسمه.

أريد أن أخبركم بمشاعر الإحباط و خيبة الأمل و اليأس و ضياع الأحلام بين أربع جدران من أسوأ و ألعن ما رأيت في حياتي
أريد أن أخبركم عن شخص فقد أسرته و مازال معتقل خلف هذه الأسوار
أريد أن أخبركم عن أصوات الحمام و العصافير من حولي مجددة أملي في الحياة و البقاء.

أريد أن أخبركم كيف أنام ساعات طويلة 13 و أحياناً 14 ساعة كل يوم لأهرب من هذه الجدرات الملعونة
أريد أيضاً أن أخبركم عن بلدي الحبيبة التي تذبحني و تحطم أحلامي البسيطة في ظلامات السجن.

أرجوكم اغفروا لي ،هناك العديد من الأشياء التي نسيت أن أقولها لكم مثل أحلامي بالسفر،حبي للموسيقى،و الأفلام و الطبيعة و لكن أحلامي أصبحت ضيقة مثل الثقب الأسود الذي أعيش فيه.

أسألكم ببساطة، الآن و قد عرفتوني لا تديروا ظهركم. أرجوكم. أنا مصور صحفي و لست مجرماً. أنا محمود أبو زيد، شوكان... اكتبوا لي في مقابر سجن طرة.

Post a Comment